سهيل زكار

566

تاريخ دمشق

السنة التاسعة والخمسون وخمسمائة وفيها حارب أمير ميران أخاه نور الدين ، فكسره نور الدين ، وسنذكره في ترجمة أمير أميران في السنة الآتية . وفيها فتحت حارم في شهر رمضان في هذه السنة وكان السبب فيه ان نور الدين لما أصابه بالبقيعة ما اصابه بعث إلى ملوك الأطراف : إلى أخيه قطب الدين بالموصل ، وفخر الدين قرا أرسلان بالحصن ، ونجم الدين ألبي بماردين ، وغيرهم يطلب النجدة ، فأخبره نجم الدين بأنه جمع العساكر مجدا وعلى مقدمته زين الدين علي كوجك ، وأما فخر الدين قرا أرسلان فقال له أصحابه : على أي شيء قد عزمت ؟ قال : على القعود فإن نور الدين قد أثر فيه الصوم والصلاة فهو يلقي نفسه والناس معه في المهالك ، فوافقوه . فلما كان من الغد نادى في عسكره بالمسير إلى الغزاة فقيل له في ذلك فقال : إن نور الدين قد كاتب زهاد بلادي المنقطعين عن الدنيا وذكر لهم ما جرى على المسلمين من الفرنج ، وطلب منهم الدعاء وسألهم أن يحثوا المسلمين على الجهاد ، وقد قعد كل واحد معه جماعة يقرؤون كتب نور الدين ويبكون ويدعون له وعلي ، فإن تأخرت خرج أهل بلادي عن طاعتي ، ثم سافر بنفسه ، ولما اجتمعت العساكر على حلب سر نور الدين بقدومها ، وسار على حارم فنازلها ، فبلغ الفرنج فحشدوا وجاؤوا في ثلاثين ألفا وفيهم البرنس صاحب أنطاكية ، والقومص صاحب طرابلس وابن جوسلين والدوك ، وهو رئيس القوم ، وكان فيهم من الرجالة مالا يحصى ، ولما تراءى الجمعان صعد نور الدين على تل عال فشاهد من الفرنج ما أذهله وهاله ، فنزل وانفرد عن العساكر ، ونزل عن فرسه وصلى ركعتين ومرغ وجهه على التراب وبكى ، وقال : يا سيدي هذا الجيش جيشك ، والدين دينك ، ومن محمود في الناس ، افعل ما يليق بك .